الجمعة، 19 ديسمبر 2014

البحث عن شخصيتي الحقيقة


بدأ اليوم كأحد أفضل أيامي في حياتي الشخصية , وبالطبع في حياتي المهنية.
فقد صنفت وفريق العمل الخاص بي كأفضل وحدة بالشركة , وكنت بصدد اصطاحبهم في ذلك اليوم لتناول الغداء بالخارج على سبيل الاحتفال.
كنت أعمل مع مجموعة رائعة , وكنا فخورين بما أسفر عنه كدنا وروح الفريق التي تحلينا بها خلال العام الماضي.
كان الغداء مرحاً , وكان الطعام ممتازاً , وجعلتني الصحبة المجتمعة على الطاولة ابتسم.
كنت فخورة بهذه المجموعة التي كانت تضحك وتبكي وتحب بعضها , وكنت أشعر بالسعادة لإنني قائدتهم.
كان الجو منعشاً ورائعاً ومشمساً , وقلت في نفسي : "ليس هناك ماهو أفضل من ذلك" كان يوماً مثالياً.
وبعد الغداء عدنا إلى العمل , وبينما كنت أتفحص بريدي الإلكتروني , وصلتني رسالة عاجلة تدعوني إلى حضور اجتماع ضروري عبر الهاتف في وقت لاحق بعد الظهيرة , لقد كنا نجري هذا النوع من الإجتماعات عبر الهاتف من أجل تخفيض التكاليف في مقابل الإجتماعيات الإدارية باهظة التكلفة , ومن ثم لم أعرها انتباهاً وانهمكت في إنهاء الأعمال والمكالمات الهاتفية التي فاتتني خلال الغداء.
دقت الساعة الثانية , موعد المؤتمر الهاتفي , وضعت الهاتف على نظام السماعة الخارجية , لكي أتمكن من العمل والاستماع في الوقت نفسه , حيث إنني أقوم بعدة مهام في الوقت نفسه كالعادة.
سمعت صوت مديرنا المشارك وفي صوته نبرة كئيبة لم نعتدها , إذ عادة ما يكون صوته ودوداً ومتفائلا ً.
كان متلعثماً في حديثه , ولم تكن هذه عادته , وفي النهاية أخبرنا بأخبار سيئة.
قال بنبرة مرتجفة في صوته : "سيتم نقلكم جميعاً إلى أوهايو , إذا كان لديكم استعداد للانتقال , وإذا لم تتمكنوا من الانتقال , فسوف يتم منحكم مكافأة نهاية الخدمة ومهلة ٦٠ يوماً لترك العمل".
شعرت كما لو كنت قد فقدت الإحساس بأطرافي , كيف يمكن لهذا أن يحدث ؟
لقد قضى معظمنا سنوات في هذه الشركة , وكان يُقال لنا إن وظائفنا من بين الوظائف الأكثر أماناً في المؤسسة.
لم يكن بمقدور أي منا الانتقال إلى مكان آخر لأسباب مختلفة , ولم يكن هناك وظائف آخرى متاحة في الشركة بالمنطقة التي نعمل بها , ومن ثم بدا أنني وفريقي سنصبح عاطلين عن العمل في القريب العاجل.
اضطلعت بمهمة نقل الخبر إلى أفراد فريقي , وقد كانت مهمة ثقيلة.
وباعتباري قائدتهم , كان عليّ أن أكون قوية ومتفائلة وشجاعة , ولكنني من داخلي كنت خائفة حتى الموت , وبينما كنت أشجعهم , شعرت بأن عالمي يتجه نحو نهايته ببطء.
واساني زوجي وأسرتي , ولكنني كنت أشعر بالخوف , كنت خائفة حقاً من الناحية المالية , كنت أعرف أننا سنكون على خير مايرام , حيث أن زوجي يحظى بعمل جيد بالإضافة إلى أن مكافأة نهاية الخدمة والمدخرات الأخرى كانت ستجعلنا نواصل الحياة لمدة طويلة , ولكنني كنت أعمل بدوام كامل طوال حياتي , ولم أكن أعلم إن كان بإمكاني أن أتعامل مع أزمة فقداني للوظيفة.
لقد صار عملي هو هويتي , فهو شخصيتي ووسيلتي لتعريف نفسي , كنت قائدة , وكنت أحسب نفسي قائدة جيدة.
ماذا سأكون إذا حُرمت من هذا؟
خلال الأيام القلائل الأولى بعد أن تركت عملي , لم أكن أرغب في مغادرة الفراش.
كنت أتظاهر بالشجاعة أمام أولادي و زوجي , ولكنني كنت أتجول في المنزل لا أدري ماذا أفعل , فبعد العمل لمدة ٢٥ عاماً متصلة فقدت وظيفتي.
قمت بإرسال سيرتي الذاتية لعدة جهات , ولكن نظراً للأحوال الإقتصادية , كانت إعلانات الوظائف في مجالي قليلة للغاية, وعلى فترات متباعدة , بدا وكأنني سأظل بلا عمل لفترة طويلة , ولم أكن أعرف ماذا أفعل بكل هذا الوقت الفائض الذي أصبح متوفراً لديّ.
في اليوم ذاته بعد أن جلست شاعرة بالأسى لنفسي , فتحت التلفزيون وشاهدت برنامجاً حول إحدى الجمعيات الخيرية التي تساعد الأطفال والجائعين في مختلف أنحاء العالم , وشعرت بالذنب لأنني على الرغم من فقدان عملي , فإننا نملك وفرة من الطعام الجيد والصحي على طاولة العشاء كل ليلة.
بدا لي وكأن الكلمات التي ألقتها مندوبة الجمعية موجهة لي بصفة خاصة , حيث كانت تخاطب المشاهدين قائلة: "إن أفضل طريقة للشعور بالسعادة ونسيان مشاكلك هي أن تساعد شخصاً آخر".
شعرت بالخزي حين أدركت أنني منخرطة في الشعور بالشفقة على نفسي في حين أنني أمتلك أشياء كثيرة يجب أن أكون ممتنة لها : زوج محب , وأبناء رائعين , وأسرة وأصدقاء يحتاجون إليّ.
كان بإمكاني إما الاستمرار في التركيز على ما افتقدته والشعور بالتعاسة والبؤس , أو عد النعم التي لديّ وإسعاد الآخرين.
قررت أن أنهض , وأرتدي ملابسي , وأطهو وجبة رائعة لأسرتي هذه الليلة, لقد كنت دائماً أهوى الطهي , وتعلمته من والدتي وجدتي , وكلهن كن من طاهيات الجنوب الرائعات اللاتي علمنني أسرارهن.
وفكرت أيضاً أن بإمكاني أن أطهو بعض الطعام الإضافي وتقديمه لجيراننا المتقاعدين عن العمل لأضفي بهجة على يومهم أيضاً.
بدأت في جمع مكوناتي عشائي , وأخذت أدندن لنفسي قليلا ً بينما أقوم بإعداد الوجبة , وبدأت أشعر بأنني أستعيد شخصيتي القديمة مرة أخرى , في تلك اللحظة دخلت إحدى بناتي إلى المطبخ , وسألتني إذا ما كانت تستطيع مساعدتي في إعداد العشاء , وبين التقليب والغربلة وصب الحساء والعجن , أعددنا العشاء , تبادلنا الضحكات والأحاديث والحكايات , أخبرتها كيف أن أمي وجدتي كانتا تسمحان لي بمساعدتهما في إعداد الطعام حين كنت فتاة صغيرة وأنني مازلت أستخدم الكثير من وصفاتهما , ونسيت إلى أي مدى كنت أشعر بالإحباط , وحين وضعنا العشاء على المائدة من أجل باقي الأسرة , شعرت كلتانا بالفخر بالعشاء اللذيذ الذي أعددناه وسعدنا بالإشادات التي تلقيناها.
وبعد العشاء , وبينما كنت أغسل الأطباق , خطر ببالي أنني لم أعلم أولادي الطهي أبداً.
لقد كنت مشغولة للغاية بإعتباري إمرأة عاملة , لدرجة أنني لم أقض وقتاً في تعليمهم كيفية إعداد الوجبات الرائعة التي تعلمت طهوها حين كنت طفلة وشابة.
لطالما كنت أطهو دوماً لأسرتي , ولكنني لم أقدم لهم الهدية التي تلقيتها , ألا وهي هدية تعلم كيفية إعداد وجبة لمن نحبهم , وحزنت لهذا الأمر
وقررت أن أستغل الوقت الفائض غير المتوقع الذي أتيح لي لتغيير الأوضاع برمتها.
وفي صباح اليوم التالي , أعلنت لأسرتي أنني قررت افتتاح مدرسة لتعليمهم الطهو , وهو ماقوبل بصيحات التذمر من جانب أبنائي , الذين كانوا مشغولين بحياتهم وخططهم الخاصة.
لكنني أقنعهم بالمحاولة وقررنا أن نعد عشاء الليلة التالية , وتركت كل واحد منهم يختار طبقاً لإعداد للوجبة تحت إشرافي , وقررنا أن نقوم بهذا بصفة أسبوعية ,وأن نعد طعاماً إضافياً لمشاركته مع الأصدقاء أو الجيران المحتاجين في منطقتنا.
وفي صباح اليوم التالي , قمنا بشراء مستلزمات العشاء من متجر البقالة  ومن منفذ بيع منتجات المزاعين المحليين.
أخرجنا المستلزمات من أكياس الشراء وارتدينا المآزر  وبدأنا الطهو , وأطلعتهم على تقنيات الطهو وطرق مختصرة ومعلومات عامة حول العديد من الوصفات التي قررنا إعدادها , وفي أثناء الإعداد لكعكة الليمون التي اشتهرت بها جدتي , تذكرت المرات العديدة التي وقفت فيها بمطبخها ألعق مخفق البيض المغطى بياض البيض السميط الذي يشبه شكل السحاب , وكم كانت الأوقات ممتعة بالنسبة لي , وها أنا الآن أشارك أبنائي هذه الأوقات , وأكاد أرى وجه جدتي مبتسماً يطل علي من السماء , وهي تشاهدني أنا وأبنائي نسير على تقاليدها.
لم يكن هناك مايسعدها أكثر من إعداد وجبة رائعة لأسرتها , والآن صرت أدرك هذا الشعور الذي كان يراودها.
وبدلا ً من أن أسرع لوضع شيء على الطاولة بين اجتماعات العمل وإعداد التقارير , تعودت على استغراق الوقت الكافي للاستمتاع بالطهو وتناول الوجبة الرائعة التي أعددتها مع أبنائي.
بالإضافة إلى ذلك صار بإمكاني أن أرافق أبنائي - استمع إلى نكاتهم وأعرف مايحدث لكل واحد منهم , وأقدر شخصية كل واحد منهم.
فقد كان لكل واحد من أبنائي الأربعة شخصية مختلفة للغاية ,ولكنها متميزة , وكان كل واحد منهم يضفي الكثير من البهجة على حياتي , ولكن لم تتسن لي ملاحظة ذلك من قبل نظراً لإنشغالي الشديد , فقد كنت مشغولة للغاية بدعم أسرتي مادياً وإثبات كفاءتي في العمل لدرجة أنني نسيت أشياء تستحق الاهتمام ونسيت من أنا حقاً : زوجة وأم لهؤلاء الأبناء الرائعين الذين يستحقون وقتي وتوجيهي وحبي.
واستمرت مدرسة الطهو كل أسبوع , وصارت وقتاً ننتظره وقتاً جميعاً : وقتا للضحك والحب والتعلم , وبالطبع وقتاً لإعداد الوجبات الرائعة حقاً.
كان الطهو مع أبنائي مجرد بداية , حيث إنني بدأت القيام بأشياء أخرى معهم ومن أجلهم كانوا يستمتعون بها , كالذهاب إلى المكتبة , أو السينما ,أو لعب التنس , أو الاسترخاء بجوار حمام السباحة.
ولأول مرة كنت قادرة على حقاً على التركيز على أسرتي والاستمتاع بها من دون مواعيد نهائية تلوح في الأفق , أو العمل على الكمبيوتر المحمول الخاص بي , أو فحص البريد الالكتروني كل في آن واحد.
وبدلاً من القيام بعدة مهام في الوقت نفسه  , صرت أركز على المهمة الأهم على الإطلاق : التأكد من أن أسرتي تعرف جيداً أنني أحبهم , وأنهم رقم واحد في حياتي.
وفي النهاية عدت إلى العمل , ولكنني وجدت وظيفة أكثر مرونة سمحت لي بقضاء المزيد من الوقت مع زوجي وأبنائي , واتضح لي أنها أفضل بكثير من وظيفتي السابقة , فقد كان راتبها أفضل وكانت أقل ضغوطاً ومنحتني المرونة التي كنت أحتاج إليها لأكون بجانب أسرتي حين تحتاج إليّ.
لقد تغيرت أولوياتي ولم أرغب مرة أخرى في وضع أحبائي في المرتبة الثانية بعد عملي.
لقد ظننت أن فقدان عملي هو أسوأ شيء حدث لي على الإطلاق ,ولكن اتضح لي بعد ذلك أن ماحدث كان بمثابة نعمة متخفية.
فبينما كنت أظن أن فقدان عملي هو نهايتي , لم يكن الأمر في الواقع سوى بداية لاكتشاف شخصيتي الحقيقية

ميلاني آدامز هاردي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق